ابن عبد الحكم
87
فتوح مصر والمغرب
« ( * » ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيّوب ، وخالد بن حميد ، قال : فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا ، وألححتم على قتالنا ، وطال مقامكم في أرضنا ، وإنما أنتم عصبة يسيرة ، وقد أظلّتكم الروم وجهّزوا إليكم ومعهم من العدّة والسلاح ، وقد أحاط بكم هذا النيل ، وإنما أنتم أسارى في أيدينا ، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم « 1 » ، فلعلّه أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبّون ونحبّ ، وينقطع عنّا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه ، ولعلّكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم ، فابعث إلينا رجالا من أصحابكم « 2 » نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شئ . فلما أتت عمرو ابن العاص رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس ، فقال لأصحابه : أترون أنهم يقتلون الرسل ، ويحبسونهم « 3 » ، ويستحلّون ذلك في دينهم ؟ وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين ، فردّ عليهم عمرو مع رسله ، أنه ليس بيني وبينكم إلّا إحدى ثلاث خصال : إمّا أن دخلتم « 4 » في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا ، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، وإمّا أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين . فلما جاءت رسل المقوقس إليه ، قال : لهم كيف رأيتموهم ؟ قالوا : رأينا قوما الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة ، والتواضع أحبّ إليه من الرفعة ، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة « 5 » إنما جلوسهم على التراب ، وأكلهم على ركّبهم وأميرهم كواحد منهم ، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ، ولا السيّد فيهم من العبد ، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلّف عنها منهم أحد ، يغسلون أطرافهم بالماء ، ويتخشّعون في صلاتهم . فقال عند ذلك المقوقس : والذي يحلف به لو أنّ هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها ،
--> ( * - * ) قارن بالسيوطى ج 1 ص 109 - 111 وهو ينقل عن ابن عبد الحكم . ( 1 ) ب ، د : « كلامكم » . ك : « نسمع كلامهم » . ( 2 ) ب ، ج : « أصحابك » . ( 3 ) ج : « ويسجنونهم » . ( 4 ) ك : « إما دخلتم » . ( 5 ) د ، ك : « همة » .